بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ، ونشهد أن لا إله إلا الله شهادة حق نسأله تعالى أن يثبتنا عليها في الحياة وعند الممات ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه رحمة لجميع الكائنات ، وأرسله بالهدي ودين الحق ليظهره علي سائر الديانات ، وأنزل عليه آيات بينات ، وبراهين نيرات ، عصمة ونجاة ، ودستورا للحياة ، من سار علي دربه فاز بالجنات ومن أعرض عنه وسار وراء الأهواء والضلالات مُـني بالحسرات وطُرح في الدركات 0
وبعد فالقرآن الكريم هو الحجة البالغة والمعجزة الخالدة معين لا ينضب وعطاء متجدد ونهر فياض وبحر لا ساحل له ، لا عزة ولا كرامة إلا لمن استمسك به قال تعالى فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَي صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {43} وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ {44} سورة الزخرف
كتاب عزيز : عزيز لأنه نزل من عند العزيز ، عزيز لأنه سبيل العزة لكل من آمن به ، عزيز لا مثيل له ولا شبيه فهو كتاب فريد 0
عزيز : بعيد عن أيدي العابثين التي امتدت إلى الكتب السابقة بالتحريف والتبديل ، بعيد عن أي تناقض أو اضطراب قال تعالى وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ {41} لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ سورة فصلت{42} وقال جل وعلا أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا النساء {82}
فلو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه ، لكن المتأمل في قصصه وأمثاله وحكمه وأحكامه وما فيه من الوعد والوعيد مع التكرار والتنوع في العرض والتفنن في الأساليب لا يجد فيه أدني اختلاف أو تفاوت .
ومصداق هذا أيضا قوله عز وجل في سورة الزمر اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَي ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَي اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {23} يشبه بعضه بعضا في كونه على أعلى رتبة في الفصاحة والبيان وروعة النظم وجمال الأساليب وسمو المقاصد ورفعة المعاني .
هذا وإن دراسة اختلاف المفسرين ومعرفة أسبابه وأنواعه وضوابطه من الأمور الضرورية التي لا غني عنها ؛ لمعرفة كيف نتعامل مع كتب التفسير ، سيما ما ورد فيها من أقوال متعددة متنوعة ، ومعرفة كيف نميز بين الاختلاف المحمود وبين الاختلاف المذموم ، وكيف نرد على أعداء ديننا الذين جعلوا من الاختلاف ذريعة للطعن في كتاب الله تعالى بل وجعلوا من الأقوال الشاذة والروايات الواهية ملمزا ومُدَّخلا لمطاعنهم وأباطيلهم .
ومن أدعياء الإسلام من بات يوجه الافتراءات إلي المفسرين جميعا دون تفريق بين المحققين منهم وحاطبي الليالي : الذين يجمعون وينقلون دون تمييز بين الغث والسمين ، بين الصحيح والسقيم ولا بين مفسري أهل السنة والجماعة ومفسري الفرق الضالة الذين حمّلوا النصوص ما لا تحتمل ، يلوون الكلم عن مواضعه بكل تعسف وتكلف وإعراض وعناد وإصرار واستكبار ، قاتلهم الله أنى يؤفكون .
وفي هذا البحث نتناول معنى الاختلاف والفرق بينه وبين الخلاف وأنواع الاختلاف وأسبابه مع ذكر أمثلة لكل نوع ، وبيان القواعد والضوابط التي نتعامل من خلالها مع أنواع الاختلاف .
والأسباب التي ذكرتها والأمثلة التي أوردتها ما هي إلا بيان وإيضاح وليس علي سبيل الحصر والاستقصاء وإنما أوردتها لنتعرف من خلالها علي طبيعة هذا الاختلاف وحدوده ومعالمه .
وفي هذا البحث تناولت مفهوم الاختلاف المذموم " اختلاف التضاد " وذكرت أسبابه وأوردت نماذج له ، وبينت ضوابط التعامل معه ، ثم عقبت ذلك ببيان أسباب الاختلاف المحمود اختلاف التنوع وذكر أمثلته وضوابطه .
وبعد فهذا البحث المتواضع ما هو إلا خطوة على هذا الطريق الذي أقامنا الله عليه أسأل الله تعالى أن ينفع به وأن أنتفع من توجيهات أساتذتي وزملائي ، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم .
تستطيع ان تكون مطوية وبحث في نفس الوقت ولك تحياتي
متعة الحديث لاتنسى الدعاء